قال الشيخ المحدث أبو معاذ زبير بن
مجدد العليزي رحمه الله:
ثبت عن
رسول الله ﷺ هذا الدعاء في قنوت الوتر بسندٍ صحيحٍ:
اللهم
اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت،
وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، [ولا يعز من عاديت]،
تباركت ربنا وتعاليت.
تخريج: مسند أحمد: ١/ ١٩٩ ح ١٧١٨ وسنده صحيح، الموسوعة الحديثية: ٣/ ٢٤٥، وصححه ابن
خزيمة: ١٠٩٥، وابن الجارود: ٢٧٢، ورواه أبو داود: ١٤٢٥ من طريق آخر، وحسنه الترمذي:
٤٦٤
تنبية: يونس بن أبي إسحاق بري من التدليس. انظر
كتابي: الفتح المبين في تحقيق طبقات المدلسين (٦٦/ ٢) والحمد لله.
قال الشيخ
الجليل محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:
قوله:
«تعاليت» من التعالي وهو العلو، وزيدت التاء للمبالغة في علوه.
وعلو الله
سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: علو الذات، وعلو الصفة.
فأما علو
الذات فمعناه: أن الله نفسه فوق كل شيء.
وأما علو
الصفة فمعناه: أن الله تعالى موصوف بكل صفات عليا.
أما الأول:
فقد أنكره حلولية الجهمية وأتباعهم الذين قالوا: إن الله في كل مكان بذاته.
انتهي كلام
الشيخ الجليل محمد بن صالح العثيمين رحمه الله.
قال الشيخ أبو معاذ زبير بن مجدد العليزي رحمه الله باللغة الأردية، وأنا أترجمه إلى
العربية:
قال المفتي
محمود الحسن الكنكوهي الديوبندي: «الله موجود في كل مكان» (ملفوظات فقيه الأمة: ٢/
١٤)
وتأييدًا لهذه العقيدة الباطلة، افترى المفتي المذكور كذبًا فقال: «سُئل ابن الجوزي: أين الله؟ فقال: هو موجود في كل مكان» (المصدر نفسه، ص ١٤)
وعلى
النقيض تمامًا من هذا الكذب والافتراء، كتب الحافظ ابن الجوزي عن فرقة «الملتزمة»
من الجهمية: «والملتزمة جعلوا الباري سبحانه وتعالى في كل مكان»؛ أي جعلوه موجودًا
في كل مكان. (تلبيس إبليس، ص ٣٠، أقسام أهل البدع)
انتهي كلام
الشيخ أبو معاذ زبير بن مجدد العليزي رحمه الله.
قال الشيخ
الجليل محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:
وأنكره
أيضا الغالون في التعطيل حيث قالوا: إن الله ليس فوق العالم ولا تحت العالم، ولا
يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا متصل ولا منفصل إذا هي عدم!
ولهذا أنكر
محمود بن سبكتكين رحمه الله على من وصف الله بهذه الصفة، وقال: هذا هو العدم.
وصدق؛ فهذا هو العدم.
أما أهل
السنة والجماعة، فقالوا: إن الله سبحانه وتعالى فوق كل شيء بذاته.
واستدلوا
لذلك بأدلة خمسة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة.
فالكتاب:
كل ما يمكن من أجناس الأدلة فهي موجودة في إثبات علو الله.
فتارة بلفظ
العلو مثل: {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: ١]
وتارة بلفظ
الفوقية مثل: {وهو القاهر فوق عباده} [الأنعام: ١٨]
وتارة بذكر
عروج الأشياء وصعودها إليه مثل: {تعرج الملائكة والروح إليه} [المعارج: ٤]
وقوله:
{إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر: ١٠]
وتارة
بنزول الأشياء منه كقوله تعالى: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض} [السجدة: ٥]
وأما السنة:
فقد اجتمع فيها أنواع السنة الثلاثة: القول، والفعل، والإقرار.
أما القول:
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده: «سبحان ربي الأعلى».
وأما
الفعل: فإنه لما خطب الناس يوم عرفة، فقال: «ألا هل بلغت، قالوا: نعم، قال: اللهم
فاشهد، يرفع إصبعه السبابة إلى السماء وينكتها إلى الناس» (صحيح مسلم: ١٤٧/ ١٢١٨،
دار السلام: ٢٩٥٠)
وهذا إثبات
للعلو بالفعل.
وأما
إقراره: فبإقراره للجارية حين سألها: «أين الله؟» قالت: في السماء. (صحيح مسلم:
٣٣/ ٥٣٧، دار السلام: ١١٩٩)
وأما
الإجماع: فإن السلف من الصحابة والتابعين، والأئمة كلهم مجمعون على هذا، وطريق
إجماعهم أنهم لم يرد عنهم صرف للكلام عن ظاهره فيما ذكر من أدلة العلو، وقد مر
علينا أن هذا طريق جيد، وهو أنه إذا قال لك قائل: من الذي يقول إنهم أجمعوا؟ فمن
قال: إن أبا بكر ذكر أن الله في العلو بذاته؟ ومن قال: إن عمر قال هذا؟ ومن قال:
إن عثمان قال هذا؟ ومن قال: إن عليا قال هذا؟
فالجواب:
أنه لما لم يرد عنهم ما يخالف النصوص، علم أنهم أثبتوها على ظاهرها.
وأما
العقل: فلأننا نقول: إن العلو صفة كمال، وضده صفة نقص، والله منزه عن النقص، وهو
من تمام السلطان، ولهذا نجد في الدنيا أن الملوك يوضع لهم منصة يجلسون عليها.
وأما
الفطرة: فحدث ولا حرج، فالعجوز التي لا تعرف القرآن قراءة تامة، ولا تعرف السنة،
ولا راجعت «فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» ولا غيره من كتب السلف تعرف أن الله في
السماء، وكل المسلمين إذا دعوا الله يرفعون أيديهم إلى السماء، لا أحد من الناس
يقول: اللهم اغفر لي، ويحط يديه إلى الأرض أبدا.
ولهذا احتج
بهذه الفطرة الضرورية الهمذاني على أبي المعالي الجويني، فقد كان أبو المعالي
الجويني يقول: كان الله ولم يكن شيء غيره، وهو الآن على ما كان عليه. يريد بذلك أن
ينكر استواء الله على العرش.
فقال له
أبو جعفر الهمذاني رحمه الله: يا شيخ، دعنا من ذكر العرش ـ لأن استواء الله على العرش
دليله سمعي، لولا أن الله أخبرنا بذلك ما أثبتناه ـ فما تقول في هذه الضرورة؛ ما
قال عارف قط: «يا الله» إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو؟ فجعل أبو المعالي يضرب
على رأسه، ويقول: «حيرني حيرني». (انظر سير أعلام النبلاء: ١٨/ ٤٧٧)
ما لقي
جوابا على هذا لأن هذا دليل فطري.
حتى إن
الحيوان مفطور على ذلك؛ كما يروى في قصة سليمان عليه الصلاة والسلام حين خرج
يستسقي، وإذا بنملة مستلقية على ظهرها؛ رافعة قوائمها نحو السماء تقول: اللهم إنا
خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن رزقك، فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم. (سنن
الدارقطني: ٢/ ٦٦، والحاكم في المستدرك: ١/ ٣٢٥، ٣٦٦ وصححه ووافقه الذهبي)
وسقوا
بدعوة هذه النملة.
فهذه
النملة من الذي أعلمها أن الله في السماء؟
فطرتها
التي فطر الله عليها الخلق دلتها على أن الله في السماء.
والعجب:
أنه مع ظهور هذه الأدلة؛ فقد أعمى الله عنها بصائر قوم؛ فأنكروا علو الله، وقالوا:
لا يمكن علو الله بذاته … فأي إنسان يقول: إن الله بذاته فوق كل شيء فهو كافر
عندهم! لأنه حدد الله.
والذي
يقول: إن الله فوق، هل هو محدد لله؟ أبدا؛ فهو فوق ولم يحط به شيء، والذي يحدد
الله هو الذي يقول: إن الله في كل مكان، إن كنت في المسجد فالله في المسجد، وإن
كنت في السوق فالله في السوق، وهكذا.
أما قول
أهل السنة: إن الله في السماء؛ لا يحيط به شيء من مخلوقاته. فهذا غاية التنزيه.
أما علو
الصفة فدليله قوله تعالى: {ولله المثل الأعلى} [النحل: ٦] أي: الوصف الأكمل، وهذا
دليل سمعي.
وأما
العقل: فلأن العقل يقطع بأن الرب لا بد أن يكون كامل الصفات.
(الشرح الممتع علي زاد المستنفع لابن عثيمين رحمه الله، طبع دار ابن الجوزي: ١٤٢٣ه: ٣/ ٥٣٢ – ٥٣٦)
تخريج الأحاديث والآثار والتحقيق للشيخ أبي معاذ زبير بن مجدد العليزي رحمه الله، المتوفى سنة ١٤٣٥هـ . انظر مقالاته: ١/ ١٣–١٨ باللغة الأردية.